سيد قطب
3533
في ظلال القرآن
« هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ » فيستقر في الضمير شعور الطمأنينة لرحمة اللّه والاسترواح . ويتعادل الخوف والرجاء ، والفزع والطمأنينة . فاللّه في تصور المؤمن لا يطارد عباده ولكن يراقبهم . ولا يريد الشر بهم بل يحب الهدى ، ولا يتركهم بلا عون وهم يصارعون الشرور والأهواء . « هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » . . يعيدها في أول التسبيحة التالية ، لأنها القاعدة التي تقوم عليها سائر الصفات . . « الْمَلِكُ » . . فيستقر في الضمير أن لا ملك إلا اللّه الذي لا إله إلا هو . وإذا توحدت الملكية لم يبق للمملوكين إلا سيد واحد يتجهون إليه ، ولا يخدمون غيره . فالرجل لا يخدم سيدين في وقت واحد « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » . . « الْقُدُّوسُ » وهو اسم يشع القداسة المطلقة والطهارة المطلقة . ويلقي في ضمير المؤمن هذا الإشعاع الطهور ، فينظف قلبه هو ويطهره ، ليصبح صالحا لتلقي فيوض الملك القدوس ، والتسبيح له والتقديس . « السَّلامُ » . . وهو اسم كذلك يشيع السلام والأمن والطمأنينة في جنبات الوجود ، وفي قلب المؤمن تجاه ربه . فهو آمن في جواره ، سالم في كنفه . وحيال هذا الوجود وأهله من الأحياء والأشياء . ويئوب القلب من هذا الاسم بالسلام والراحة والاطمئنان . وقد هدأت شرته وسكن بلباله وجنح إلى الموادعة والسلام . « الْمُؤْمِنُ » واهب الأمن وواهب الإيمان . ولفظ هذا الاسم يشعر القلب بقيمة الإيمان ، حيث يلتقي فيه باللّه ، ويتصف منه بإحدى صفات اللّه . ويرتفع إذن إلى الملأ الأعلى بصفة الإيمان . « الْمُهَيْمِنُ » . . وهذا بدء صفحة أخرى في تصور صفة اللّه - سبحانه - إذ كانت الصفات السابقة : « الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ » صفات تتعلق مجردة بذات اللّه . فأما هذه فتتعلق بذات اللّه فاعلة في الكون والناس . توحي بالسلطان والرقابة . وكذلك : « الْعَزِيزُ . الْجَبَّارُ . الْمُتَكَبِّرُ » . . فهي صفات توحي بالقهر والغلبة والجبروت والاستعلاء . فلا عزيز إلا هو . ولا جبار إلا هو . ولا متكبر إلا هو . وما يشاركه أحد في صفاته هذه . وما يتصف بها سواه . فهو المتفرد بها بلا شريك . ومن ثم يجيء ختام الآية : « سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ » . . ثم يبدأ المقطع الأخير في التسبيحة المديدة . « هُوَ اللَّهُ » . . فهي الألوهية الواحدة . وليس غيره بإله . « الْخالِقُ » . . « الْبارِئُ » . . والخلق : التصميم والتقدير . والبرء : التنفيذ والإخراج ، فهما صفتان متصلتان والفارق بينهما لطيف دقيق . . « الْمُصَوِّرُ » . وهي كذلك صفة مرتبطة بالصفتين قبلها . ومعناها إعطاء الملامح المتميزة والسمات التي تمنح لكل شيء شخصيته الخاصة . وتوالي هذه الصفات المترابطة اللطيفة الفروق ، يستجيش القلب لمتابعة عملية الخلق والإنشاء والإيجاد والإخراج مرحلة مرحلة - حسب التصور الإنساني - فأما في عالم الحقيقة فليست هناك مراحل ولا خطوات . وما نعرفه عن مدلول هذه الصفات ليس هو حقيقتها المطلقة فهذه لا يعرفها إلا اللّه . إنما نحن ندرك شيئا من آثارها هو الذي نعرفها به في حدود طاقتنا الصغيرة ! « لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى » . . الحسنى في ذاتها . بلا حاجة إلى استحسان من الخلق ولا توقف على استحسانهم .